تُقاس قوة الدول لا بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على فرض سيادة القانون واحترامه، وجعل الجميع ـ دون استثناء ـ خاضعين لميزانه العادل. فدولة القانون ليست شعارًا سياسيًا ولا نصوصًا جامدة في الدساتير، بل منظومة حيّة تنظم شؤون المجتمع، وتحمي الحقوق، وتضبط الواجبات، وتمنح المواطن شعورًا بالأمان والإنصاف.
إن جوهر دولة القانون يقوم على مبدأ أساسي: لا أحد فوق القانون. فحين يُطبَّق القانون على الجميع بنفس السرعة والحزم، تزول مشاعر الظلم، ويختفي الإحساس بالتمييز، ويشعر الفرد أن كرامته مصونة وحقوقه محفوظة. أما الانتقائية أو البطء في تطبيق القانون، فهما بوابة الفوضى، وبذرة فقدان الثقة بين المواطن والدولة.
وسرعة تطبيق القانون لا تعني التسرّع أو الظلم، بل تعني عدالة ناجزة لا تترك القضايا معلّقة، ولا تسمح بتآكل الحقوق بمرور الوقت. فالقانون البطيء يفقد هيبته، أما القانون السريع العادل فيصنع الردع، ويُرسّخ احترام النظام، ويشجع على الالتزام الطوعي بالقواعد العامة.
كما أن سيادة القانون تضمن التوازن بين السلطة والحرية؛ فلا تُترك السلطة بلا ضوابط، ولا تُمارَس الحرية بلا مسؤولية. وبهذا التوازن تنمو المجتمعات، وتزدهر الاستثمارات، ويستقر السلم الاجتماعي، لأن الجميع يعرف ما له وما عليه، ويثق أن هناك مرجعية واحدة تحكم العلاقات والنزاعات.
إن احترام سيادة القانون هو الطريق الأقصر لبناء دولة عادلة قوية، يشعر فيها المواطن أن العدالة لا تتغير بتغير الأشخاص، ولا تنحاز لمكانة أو نفوذ. وحين يسود القانون، تتراجع الفوضى، ويعلو صوت الحق، وتُبنى الأوطان على أساس متين من العدل والمساواة.
فدولة القانون ليست فقط ما نطمح إليه، بل ما لا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عنه إذا أراد الاستقرار والكرامة والتقدم.



التعليقات لا توجد تعليقات
لا توجد تعليقات
إضافة تعليق