بقلم / محمد عبدالسلام

لسنا أبناء الأمام،

نحن أبناء الخلف، أبناء الأصل الذي نبتعد عنه خطوة بخطوة ونحن نظن أننا نقترب.

كل ما نراه حركة،

وما الحركة إلا حنين متخف في هيئة زمن.

الزمن لا يجري، نحن الذين نذوب داخله، قطرة قطرة، حتى نظن أنه يسحبنا إلى الأمام، بينما هو في الحقيقة يعيدنا إلى نقطة الصمت الأولى.

الليل لا يأتي بعد النهار،

ولا النهار يولد من الليل،

الشمس لا تصنع الزمن، بل تكشف هشاشته.

فإذا غاب الضوء، سقط القياس، وإذا سقط القياس، تلاشى الزمن، وعاد الوجود بلا اتجاه.

المكان ليس بيتنا،

هو مجرد أثرٍ لثقل الجسد.

نقيم فيه كما يقيم الصوت في الصدى، لا أصل له هناك، ولا بقاء.

وحين نموت، لا نغادر الحياة، بل نخلع المكان، كما يُخلع ثوبٌ ضاق عن المعنى.

نحن لسنا خيرًا خالصًا، ولا شرًا خالصًا،

نحن الانقسام نفسه.

آدم لم يكن بداية نسل، بل بداية سؤال.

سؤال ما زال حيًا فينا:

كيف يمكن للنور والظلمة أن يسكنَا الجسد ذاته دون أن ينفجرا؟

كنا موجودين قبل أن نُولد،

لا كأجساد، بل كاحتمال.

كنا فكرة قبل أن نصبح لحمًا،

والميلاد لم يكن خلقًا، بل كشفًا.

لم نُخلق من عدم، بل أُزيح عنا الستار.

نحن لا نكبر،

نحن ننسى.

وكل سنة تمر ليست إضافة، بل فقد.

نخسر البراءة، ثم البساطة، ثم اليقين،

حتى إذا لم يتبقَّ شيء، ظننا أننا وصلنا إلى النهاية،

وما كانت النهاية إلا اقترابًا خافتًا من البداية.

الطفل أقرب إلى الأصل،

والشيخ أقرب إلى العودة.

وبينهما قوسٌ من الوهم نسميه حياة.

الكون لا يبني،

هو يتخفف.

كل نجم ينطفئ ليس موتًا، بل تخليًا عن الشكل.

كل شيء يعود، لا لأن العودة قدر،

بل لأن البقاء في الشكل مستحيل.

وفي آخر الطريق،

لا نجد مستقبلًا ينتظرنا،

بل أصلًا يتذكرنا.

فنحن لم نكن سائرين إلى الأمام يومًا،

كنا — طوال الوقت — نعود.