في روايتها الرابعة «طويلة الساقين والأعسر»، تعود الكاتبة الجزائرية فضيلة بودريش إلى واحدة من أكثر الفترات إيلامًا في التاريخ الجزائري المعاصر، لا لتستعيد الفاجعة بصيغتها التقليدية، بل لتفكك أثرها الإنساني والنفسي، وتمنح الكلمة لمن نجون جسدًا وظللن أسيرات الذاكرة والوجع. رواية تُكتب من قلب ما بعد الصدمة، حيث لا يُنظر إلى الماضي بوصفه زمنًا منقضيًا، بل كحضور ثقيل يواصل تشكيل الحاضر، ويعيد طرح أسئلة الهوية، والخوف، والنجاة، ومعنى الاستمرار في الحياة.
صدرت مؤخرًا رواية «طويلة الساقين والأعسر» للكاتبة الجزائرية فضيلة بودريش عن دار نشر أمل، لصاحبتها السورية أمل منذر، وذلك ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب. ويُعد هذا العمل محطّة فارقة في مسار الكاتبة الإبداعي، إذ يمثل روايتها الرابعة، والأكثر نضجًا وجرأة من حيث الرؤية السردية والبناء الفني. فقد اختارت بودريش أن تقترب من العشرية السوداء في الجزائر من زاوية مختلفة، لا تكتفي باسترجاع الذاكرة الدامية، بل تُحاور آثارها الممتدة في الحاضر، وتكتب عن الإنسان لا الحدث، وعن الأثر لا الواقعة.


وُصفت الرواية بأنها ذات طابع «هيتشكوكي»، مشحونة بالقلق الوجودي والتوتر النفسي، حيث يتصاعد السرد ببطء محسوب، ويُبقي القارئ في حالة ترقّب دائم. وفي الوقت نفسه، تتخلل النص محطات سردية تأملية تمنح القارئ فسحة للتفكير بين تشابك الأحداث وتداخل المصائر، بعيدًا عن المباشرة أو الخطاب التقريري.
أما عنوان الرواية، فقد اعتبره النقاد نموذجًا لما يُعرف بـ«الخطّاف السردي»، إذ يجذب القارئ منذ الوهلة الأولى بما يحمله من غرابة رمزية ودلالات مفتوحة. فـ«الأعسر» لا يُقرأ بوصفه صفة جسدية فحسب، بل يتحول إلى استعارة للانكسار الداخلي، وللرغبة في رؤية العالم وكتابته من زاوية مقلوبة، تعكس اضطراب الذات وعمق الجرح النفسي. في المقابل، تأتي «طويلة الساقين» رمزًا للمرأة الناجية، المُصِرّة على التقدّم، القادرة على السير رغم الركام، وعلى مواجهة الحياة بشجاعة لا تخلو من الألم. وهكذا يختزل العنوان صراعًا دائمًا بين الهشاشة والقوة، وبين الدمار وإرادة البقاء، مُمهّدًا لنص متوتر، غامض، ومشوق حتى سطوره الأخيرة.
تعتمد فضيلة بودريش في هذا العمل على تقنية تعدد الأصوات (البوليفونية)، وتستثمر الذاكرة بوصفها عمودًا فقريًا للسرد. إذ تُروى الحكاية عبر أصوات أربع نساء نجون من أهوال العشرية السوداء في تسعينيات الجزائر، غير أن نجاتهن لم تكن خلاصًا كاملًا، فآثار الألم ما تزال كامنة في وجدانهن الفردي، وفي الذاكرة الجماعية المشتركة. تتقاطع أصواتهن لتنسج سردًا موحدًا لمأساة واحدة، تختلف زوايا النظر إليها، بينما يظل جرحها واحدًا، نابضًا بالحياة والوجع معًا. وبهذا الأسلوب، تُقدّم الرواية نموذجًا متقدمًا لكتابة ما بعد العشرية السوداء، يجمع بين التوثيق الفني للأحداث، والغوص العميق في التحليل النفسي لآثارها المستمرة.
وعلى مستوى البنية الفنية، تكشف الرواية عن وعي جمالي واضح يخدم عمق الموضوع. فقد قسّمت بودريش نصها إلى اثني عشر عنوانًا فرعيًا، لكل منها نبرته ودلالته الخاصة، وعناوين ذات شحنة إيحائية عالية مثل: «فيروز خلفي»، «إنها القذارة»، «بسمة في الظلام». تعمل هذه العناوين كمحطات سردية تتيح للقارئ التقاط أنفاسه بين تصاعد الأحداث وتشابك المصائر، وتؤكد الطابع السينمائي المشحون بالقلق الوجودي للنص. وفي هذا السياق، تحتفي الرواية بالمرأة الناجية من التعقيدات الأمنية والاجتماعية والإنسانية، مُظهرة أن الخوف ليس ضعفًا، بل الوجه الآخر للقوة، وأن الأنوثة ليست هشاشة، بل شجاعة صامتة.
ويبرز في الرواية كذلك توظيف المكان والزمان بوصفهما عنصرين فاعلين في السرد. فعلى الرغم من أن بعض الأحداث تدور في باريس، حيث تعيش البطلة، تظل الجزائر، برمزيتها وذاكرتها المثقلة، هي المركز السردي الحقيقي. يتحول المكان إلى كيان حي يستنطق الماضي ويعيد تشكيل الحاضر، فتغدو الجغرافيا محمّلة بأبعاد نفسية وتاريخية عميقة.
أما الزمن، فلا يُقدَّم بوصفه إطارًا للأحداث فحسب، بل كمسار شفاء مؤلم، واختبار دائم لإرادة الإنسان في البحث عن حياة جديدة رغم الفقد. ويتعزز هذا البعد عبر حضور كثيف للثنائيات المتضادة التي تشكّل مفاتيح تأويلية لفهم النص، مثل: الجزائر وفرنسا، الوطن والغربة، الشرق والغرب، الهوية والآخر، البحر والصحراء، الحركة والسكون، الحب والموت، الوجود والعدم. ومن خلال شخصيات متعددة الجنسيات، تنفتح الرواية على أفق إنساني كوني، يتجاوز حدود الجغرافيا ليؤكد وحدة المصير الإنساني في مواجهة الألم.
وإلى جانب ذلك، تراهن «طويلة الساقين والأعسر» على اللغة بوصفها أداة خلاص لا مجرد وسيلة تعبير. لغة فضيلة بودريش هنا مكثفة، موحية، تميل إلى الاقتصاد في العبارة والثراء في الدلالة، تقول أكثر مما تُصرّح، وتترك فراغات ذكية تُشرك القارئ في إعادة بناء المعنى. فهي لا تصدم بالمشهد، بل تُربك داخليًا، وتدفع القارئ إلى التأمل الطويل في الأسئلة التي تطرحها الرواية، حتى بعد الانتهاء من قراءتها.
وتأتي هذه الرواية لتؤكد موقع فضيلة بودريش ضمن جيل من الكاتبات الجزائريات اللواتي لم يكتبن العشرية السوداء بوصفها حدثًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها تجربة إنسانية نسوية مركّبة، أعادت تشكيل الوعي والذات والعلاقة بالعالم. وبهذا المعنى، تُسهم «طويلة الساقين والأعسر» في توسيع أفق الرواية الجزائرية المعاصرة، وفتح مسار جديد لكتابة الذاكرة من الداخل، لا من موقع الشاهد الخارجي.
في المحصلة، تمثل «طويلة الساقين والأعسر» عملًا فنيًا عميقًا في أدب ما بعد الصدمة، نجحت فيه فضيلة بودريش في توظيف تعدد الأصوات لنقل أثر الذاكرة النسوية الجماعية، وبناء نص مشحون بالرمزية والتوتر الوجودي منذ العنوان وحتى خاتمته المضيئة. رواية تؤكد قوة المرأة الناجية، وإصرارها على العودة للحياة رغم قتامة الماضي، مختتمة السرد بصفحة من النور والأمل. وقد أجمع النقاد على أن بودريش تجاوزت بهذا العمل كثيرًا من الكتابات التي تناولت الأزمة الأمنية الجزائرية ضمن ما عُرف بـ«الأدب الاستعجالي»، لتبلغ مستوىً فنيًا مكتملًا، قائمًا على تقنيات سردية مركبة، ورمز دال، ورؤية إنسانية بالغة العمق.